عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

261

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

باب بر الوالدين قال اللّه تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ [ لقمان : 14 ] أي شدة على شدة قال الثعلبي رضي اللّه عنه : لما أسلم سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه قالت أمه : يا سعد بلغني أنك صبأت فلا أستظل بظل ولا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فمكثت ثلاثة أيام على ذلك فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية فأمره النبي صلى اللّه عليه وسلم بالإحسان إليها ولا يطيعها في الكفر . قال القرطبي : قدمت أم أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه راغبة في الإسلام وقيل راغبة في الشرك وقيل راغمة بالميم أي كارهة للإسلام فقالت : يا رسول اللّه إن أمي قدمت علي وهي كافرة فأصلها ؟ قال : « نعم » وكان اسمها قتيلة بضم القاف بعدها مثناة فوق ثم بعدها مثناة تحت وقيل قتلة بفتح القاف وإسكان المثناة وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « رضا اللّه في رضا الوالدين وسخط اللّه في سخط الوالدين » رواه الترمذي . ( مسألة ) يحرم على من له أبوان أن يجاهد إلا بإذنهما إن كانا مسلمين أو بإذن المسلم منهما لأن أمرهما فرض عين والجهاد فرض كفاية وفرض العين هنا مقدم والأجداد والجدات هنا في باعتبار الإذن كالأبوين ولو مع وجودهما ، نعم لو دخل العدو بلدة للمسلمين وجب الدفع على ولد ومدين وعبد بلا إذن ولهما منع الولد من حج تطوع ومن سفر تجارة إن كان طويلا وفيه خوف كركوب بحر وبادية مخوفة ، والأبوان الكافران كالمسلم في كل سفر غير الجهاد والأبوان الرقيقان كالحرين على الصحيح فإن أذن أحد الأبوين في ذلك ومنع الآخر فالعبرة به ا ه . ( حكاية ) قال أبو يزيد البسطامي رضي اللّه عنه : طلبت أمي ماء فجئتها به فوجدتها نائمة فقمت أنتظر يقظتها فلما استيقظت قالت : أين الماء فأعطيتها الكوز وقد كان قد سال الماء على إصبعي فجمد عليها الماء من شدة البرد فلما أخذت الكوز انسلخ جلد إصبعي فسال الدم فقالت : ما هذا فأخبرتها فقالت : اللهم إني راضية عنه فارض عنه وكانت في مدة حملها به لا تمد يدها إلى طعام فيه شبهة ورأيت في عيون المجالس أنه قال : كنت ابن عشرين سنة فدعتني أمي للنوم معها ليلة من الليالي وقد تعلق قلبي بقيام الليالي فأجبتها فجعلت يدي تحتها والأخرى أمرها على ظهرها وأقرأ قل هو اللّه أحد فخدرت يدي فقلت اليد لي وحق الوالدة للّه فصبرت على ذلك كله حتى طلع الفجر وقد قرأت قل هو اللّه أحد عشرة آلاف مرد ولم أنتفع بعد ذلك بيدي التي خدرت فلما مات رحمه اللّه تعالى رآه بعض أصحابه في المنام وهو يطير في الجنان ويسبح الرحمن فقال له : بم وصلت إلى هذه المنزلة ؟ قال ببر الوالدين والصبر على الشدائد ، وعنه صلى اللّه عليه وسلم « العبد المطيع لوالديه والمطيع لرب العالمين في أعلى عليين » . ( حكاية ) حبس الرشيد ولدا مع والده وكان لا يتوضأ الرجل إلا بماء مسخن فمنعه السجان من إدخال النار إلى السجن فأخذ الولد الماء وسخنه ليلا على القنديل فلما أصبح وجد